الإيمان بابن الله : روحيًا ولاهوتيًا

" المسيح ابن الله الحى "
أولاً : معنى أن يسوع المسيح ابن الله :
1 ـ اعتراف بطرس :
سأل السيد المسيح تلاميذه ، ماذا يقول الناس عنه، أنه هو ، فقالوا : البعض يقولون إنه المعمدان وآخرون إنه إيليا أو إرميا أو واحد من الأنبياء، فلما سألهم ، وأنتم من تقولون إنى أنا ؟ أجاب بطرس: " أنت هو المسيح ابن الله الحى " .
فطوبه الرب على هذا الاعتراف قائلاً : " طوبى لك يا سمعان .. إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبى الذى فى السموات " (متى13:16ـ19).
وأكمل الرب حديثه لبطرس مؤكدًا أن هذا الاعتراف والإيمان بابن الله الحى هو الصخرة التى يبنى عليها كنيسته وأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها مادامت مبنية على هذا الإيمان (أنظر مت18:16).
+ فى شخص يسوع المسيح يُعلن ويُكشف " سر الله الذى لا يُفحص " ـ السر المكتوم منذ الدهور والذى لم يكن معروفًا حتى للملائكة ـ نعم هذا السر يُكشف فى المسيح وبواسطة المسيح بإعطائه الروح لنا .
يؤكد المسيح هنا فى حديثه لبطرس أن معرفة واكتشاف إنه المسيح ابن الله أُعطى له بإعلان داخلى من الآب ، وأنه لم يحصل عليه من " لحم ودم" أى من البشر ، أى أن هذه المعرفة والاكتشاف أنه هو " المسيح ابن الله " ليست معرفة مصدرها البشر وعقل البشر الجسدانى ، بل مصدرها روح الله الذى ينير به الله قلب الإنسان ليعرف حقيقة ابنه الوحيد يسوع المسيح .
2 ـ الآب يشهد لابنه :
الآب يشهد ليسوع أنه ابنه الحبيب:
أ ـ وقت المعمودية فى الأردن: " هذا هو ابنى الحبيب " (مت17:3) "أنت ابنى الحبيب " (مر11:1، لو22:3).
ب ـ على جبل التجلى : " هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت " (مت5:17)، " ابنى الحبيب له اسمعوا " (مر7:9، لو35:9).
3 ـ وشهد يوحنا المعمدان عن يسوع :
 أن الذى أرسله ليعمد بالماء (أى الله الآب) قال له : " الذى ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذى يعمد بالروح القدس "، وختم المعمدان شهادته بالقول : " وأنا قد رأيت (أى رأيت الروح نازلاً مثل حمامة واستقر عليه) وشهدت أن هذا هو ابن الله " (يو33:1ـ34).
4 ـ معنى أن يسوع هو ابن الله :
" فى المسيح يحل كل ملء اللاهوت جسديًا " (كو9:2)
وهذا معناه أن المسيح هو إعلان سر الله بملئه ـ بطريقة كاملة وشخصية ـ هو إعلان لحياة الله، المسيح هو كشف لمحبة الله، هو كشف لقداسة الله، هو كشف للثالوث الإلهى. فنحن فى المسيح ، نعرف الآب. المسيح هو الابن المتجسد، هو كلمة الله الصائر جسدًا ، وعن طريق تجسده فإنه يجعل ملء اللاهوت هذا يدخل فى الزمان والمكان ـ الخاصين بالكائنات المخلوقة والساقطة .
وهكذا نجده يقبل لنفسه سلسلة أنساب (كالبشر)، ويصير منتسبًا إلى شعب ، وإلى أم يأخذ منها جسمًا حيًا ، ويصير إنسانًا حقيقيًا.
5 ـ فى الإعلان الإنجيلى عن المسيح، نجد أن المسيح هو صورة الآب، كما يقول هو عن نفسه " من رآنى فقد رأى الآب " (يو9:14) والتأكيد الأساسى فى الإنجيل ينصب على الخدمة المتبادلة التى توحّد المسيح بأبيه: فالمسيح يعلن الآب، ويصلى إلى الآب، ويعلّم الناس كيف يُصلّون إلى الآب، كما يؤكد فى نفس الوقت (كما ذكرنا أنظر مت13:16ـ19) أن كل شهادة عن حقيقته (من يكون هو)، وعن مسيانيته إنما يعلنها الآب وليس اللحم والدم .
6 ـ والحديث عن شخص المسيح ورسالته يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن الصليب والقيامة ثم التمجيد النهائى فى الصعود . فالتجسد والصليب والقيامة والصعود تشكل مراحل مترابطة للخلاص. ثم يلزم أن نؤكد أيضًا أن سر الخلاص هذا يصل إلينا فى الكنيسة بفضل يوم الخمسين.
7 ـ والإنجيل أيضًا ، يجدد الرجاء الأخروى فى الكنيسة ـ أى عودة المسيح فى مجيئه الثانى ـ هذا الرجاء مرتبط داخليًا بسر الخلاص. والرجاء الأخروى لا يمكن أن يُحصر فى نهاية حياة الفرد أو فى نهاية عالمنا الحاضر، فالمسيح فى الأناجيل ، يعلن نفسه إنه هو " الجدة الأبدية " ويظل دائمًا هكذا، فهو الذى يطوق بملئه كل الزمان كما يدخل الزمان لكى ينهى عليه. لذلك فالإفخارستيا ليست فقط تذكارًا للماضى ودخول إلى السماويات ، بل هى تعلن عودة المسيح ثانيةً وتجعلنا نشترك فيها منذ الآن.
8 ـ المسيح هو المكان الإلهى الذى حلّ فيه ملء النعمة ، ملء الحكمة ، ملء القوة ، ملء السلطان والقداسة، أى ملء الروح حينما تقول الأناجيل والآباء إن الروح يستقر فى المسيح ، فهذا يشير إلى حضور الروح القدس شخصيًا وإلى حلول ملء اللاهوت فى نفس الوقت .
9 ـ ينبغى أن نلاحظ أن لقب " المسيح " يعنى الممسوح من الله ، والمسحة التى بها صار " المسيح " هى الروح القدس كما قال بطرس "يسوع مسحه الله بالروح القدس والقوة .. الذى جال يصنع خيرًا .." (أع38:1). والذى يُمسح بالروح هو ابن الله كما جاء فى شهادة المعمدان فى إنجيل يوحنا (يو32:1ـ34) وهذا المسيح تم فى الأردن بمجىء الروح عليه مثل حمامة.
ثانيًا : عطية الإيمان بابن الله :
1 ـ لمن يُعلن ابن الله :
كما يظهر من كلام الرب لبطرس ، فإن الإيمان أن يسوع " هو المسيح ابن الله " إنما هو عطية يهبها الله للإنسان وليست من إعلان لحم ودم . وهذا الإعلان الذى يعطيه الله الآب للإنسان يرتبط ببساطة القلب أو بحالة نقاوة الطفولة كما يذكر إنجيل لوقا أن الرب يسوع فرح فرحًا شديدًا بالروح حينما رجع السبعون تلميذًا مخبرين بأن الشياطين تخضع لهم باسمه، عندئذ قال الرب مخاطبًا الآب : " أحمدك أيها الآب .. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال .. " (لو17:10ـ21).
وهنا يظهر أن معرفة أسرار المسيح وحقيقة سلطانه الإلهى على قوات الشر، أى حقيقة أنه المسيا ابن الله هذه يخفيها الآب عن الحكماء والفهماء، أى عن أصحاب الحكمة البشرية والذين يعتمدون على علمهم وفهمهم، ولكنه يعلن سر ابنه وحقيقته للقلوب البسيطة كقلوب الأطفال ، كما قال الرب أيضًا للتلاميذ فى موضع آخر : " الحق أقول لكم ، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات " (مت3:18). وأيضًا: " من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله " (مر15:10، لو17:18).
2 ـ كيف يُعلن ابن الله :
هذا الإعلان الذى الآب للإنسان إنما يحدث بواسطة الروح القدس، كما يقول الرسول بولس: " ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس " (1كو3:12).
فالروح القدس هو الذى يعطيه الآب لقلب الإنسان ليكشف له أن يسوع هو الرب ، أى أنه ابن الله . وعمل الروح هذا فى إعلان حقيقة المسيح يذكره الرب نفسه عندما وعد أن يرسل المعزى الروح القدس قائلاً : " متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى " (يو26:15).
 وعن هذه الشهادة التى يعطيها الآب بالروح يقول يوحنا الرسول : " والروح هو الذى يشهد لأن الروح هو الحق " (1يو6:5).
 والرب نفسه يقول عن هذا العمل الإلهى فى قلب الإنسان الذى يعمله الآب " لا يقدر أحد أن يُقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى .. ويكون الجميع متعلمين من الله، فكل من سمع من الآب وتعلّم يُقبل إلىَّ " (يو45،44:6).
 فالآب هو الذى يجتذب الإنسان ليؤمن بشخص يسوع ابن الله ، وهذا الجذب الذى يعمله الآب إنما يتم بالروح القدس، والذى يتعلم من الله إنما يسمع من الآب شهادة عن ابنه بعمل الروح القدس فى قلب الإنسان الذى يسمع ويتعلم ويؤمن .
3 ـ معرفة ابن الله والثالوث :
الاعتراف أن يسوع هو ابن الله هذا يتضمن فى ذاته الاعتراف بوجود أب المسيح أى الله الآب ، الذى هو أب المسيح ابنه الوحيد. كما أن العمل الذى يعمله الله فى قلب الإنسان ليقوده إلى معرفة المسيح ابنه إنما يُدخلنا فى نوع من العلاقة مع الثالوث. فيقول القديس إيريناؤس [1]، أسقف ليون فى القرن الثانى ما معناه إن الآب يعمل فينا بروحه القدوس لكى يجتذبنا إلى الابن يسوع المسيح ، وعندما نقبل المسيح ونعرفه ، فإن المسيح يقودنا ويُدخلنا إلى الآب ، استنادًا على قول الرب نفسه " ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بىّ " (يو6:14) وأيضًا " ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له " (مت27:11).
إذن فهناك دورة إلهية فى عمل الإعلان ، فالروح الذى يرسله الآب والابن ، يعرفنا المسيح الابن ويجذبنا إليه ، والابن يقودنا إلى معرفة الآب . إذن ، كما نلاحظ فهناك حركة من فوق من الله إلى الإنسان بواسطة الروح والمسيح، ثم حركة عكسية من الإنسان إلى فوق أيضًا بواسطة الروح والمسيح إلى الآب .
ثالثًا : الإيمان بابن الله : ماذا يهبنا ؟
يتضح من الأناجيل والرسائل والعهد الجديد كله ، أن هدف الكرازة المسيحية هو الإيمان بأن يسوع هو ابن الله . وهذا الإيمان يهبنا امتيازات كثيرة نذكر منها ما يلى :
1 ـ الإيمان بابن الله يعطى حياة أبدية :
فبقول القديس يوحنا قرب نهاية إنجيليه: " وأما هذه (أى الآيات التى صنعها يسوع) فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه " (يو31:20). "
 هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " (يو16:3). وأيضًا: " الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية " (يو36:3). " وكل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير " ، وأيضًا يقول الرب " الحق الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية " (يو47،40:6).
كما يوضح إنجيل يوحنا أن من يقبل المسيح ويؤمن به ويتبعه لا يُدان "الذى يؤمن به لا يُدان " (يو18:3). وأيضًا " من يسمع كلامى ويؤمن بالذى أرسلنى فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل انتقل من الموت إلى الحياة " (يو24:5).
 وهكذا فالذين يسمعون صوت ابن الله ينالون الحياة ويقومون من الموت الروحى . " الحق الحق أقول لكم إنه تأتى ساعة وهى الآن حين يسمع الأموات (روحيًا) صوت ابن الله والسامعون يحيون " (يو25:5).
" من يؤمن بابن الله فعنده شهادة الله فى نفسه (أى فى داخله) وهذه هى الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هى فى ابنه ، من له الابن فله الحياة (الأبدية) ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة . كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكى تعلموا أن لكم حياة أبدية " (1يو10:5ـ13).
2 ـ الإيمان بابن الله يهبنا القوة لغلبة العالم :
الإيمان بالمسيح ابن الله يعطى القوة للمؤمنين لكى يغلبوا العالم ، أى يغلبوا روح الشر التى فى العالم .
" كل من يؤمن بأن يسوع هو المسيح فقد وُلد من الله "
" كل من وُلد من الله يغلب العالم . وهذه هى الغلبة التى تغلب العالم ، إيماننا . من هو الذى يغلب العالم إلاّ الذى يؤمن أن يسوع هو ابن الله" (1يو5،4،1:5). وأيضًا يقول فى نفس الرسالة: "أكتب إليكم أيها الأحداث لأن كلمة الله ثابتة فيكم (أى الإيمان بابن الله ومحبته) وقد غلبتم الشرير" (1يو14،13:2).
 هذه الغلبة التى يعطيها الإيمان بابن الله توضح لنا جانبًا من معنى كلام المسيح لبطرس عندما اعترف به أنه ابن الله إذ قال له " على هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها "، أى بسبب أن الكنيسة تكون مؤسسة على أساس الإيمان بابن الله ، فإنها تكون مُحصنة بقوة روح الله الذى يسكن فيها ، فلا تستطيع قوات الجحيم، أى قوات الشر التى تعمل فى العالم، لا تستطيع أن تغلبها، بل الكنيسة أى المؤمنون هم الذين يغلبون قوة الشرالتى فى العالم بإيمانهم بابن الله.
3 ـ الإيمان بابن الله يفجر أنهار ماء حى (أى الروح القدس):
وهذا ما قاله الرب يسوع فى إنجيل يوحنا بمناسبة عيد المظال: " إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب، من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حى. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنين به مزمعين أن يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد " (يو37:7ـ39).
 فالإيمان بابن الله يعطى تدفق أنهار الماء الحى فى داخل الإنسان التى هى الروح القدس، وهذا ما شهد به بطرس يوم الخمسين عندما قال للذين نُخسوا فى قلوبهم عندما سمعوا كرازته بالمسيح " توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس " (أع38،37:2)، أى أن من يتوب مؤمنًا بيسوع أنه ابن الله ويعتمد على هذا الأساس فإنه ينال غفران الخطايا باسم المسيح كما ينال عطية الروح القدس، كثمرة أيضًا للإيمان بابن الله.
4 ـ الإيمان بابن الله يجعلنا أبناء وورثة لله :
" لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح " (غل26:3ـ27)، فباتحادنا بالمسيح الحى عن طريق المعمودية نلبس المسيح ابن الله فنصير أبناء الله بالمسيح.
" وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب .. ولأنك ابن فأنت وارث لله بالمسيح " (غل7،6:4).
بالإيمان بابن الله والمعمودية نصير أبناء باتحادنا بالمسيح الذى لبسناه، ويلزم أن نستمر " لابسين الرب يسوع المسيح " (رو14:13) إلى أن نلتقى به عند مجيئه الثانى الذى فيه سيغيّر شكل جسد وضاعتنا ليكون على صورة جسد مجده .. " (فى21،20:3).
رابعًا : المسيح ابن الله فى العهد الجديد [2]:
1 ـ يقدم لنا الإنجيل حسب يوحنا شخص يسوع المسيح ابن الله باسم "الكلمة " Logos . كلمة الله يظهر هنا كحكمة وحياة ونور ، ليس فقط ككائن حاضر وقت خلقة العالم ـ كما يرد عن الحكمة فى (أمثال 20:8ـإلخ) ـ بل هو الكائن الذى به خُلقت كل الأشياء . ويوحنا هنا يستعمل نفس تعبيرات المزامير : " بكلمة الرب صنعت السموات وبروح فمه كل جنودها " (مز6:33).
وينبغى أن نؤكد على " إعلان تجسد الكلمة " ، كما ينبغى من الناحية الأخرى أن تؤكد على إعلان "اسم يسوع " هذا الإعلان الأخير الذى حدث بطريقة فوق الطبيعة ، فهذا الاسم لم تعطه له عائلة بشرية (لم تختره مريم) إنما أعلن لها كأنه اسم يسوع منذ الأزل ، وأُعلن هذا الاسم ليوسف ومريم اللذين أعطياه للطفل فى حركة أمومة تشكل ـ كما لو كانت ـ انعكاسًا لأبوة الله، هذا الإله الذى يلد ابنه أزليًا يعطيه الاسم " يسوع " ويحبه " أنت ابنى ، أنا اليوم ولدتك " (مز7:2).
اسم يسوع وأيضًا لقب " لوغوس " " الكلمة " هى أسماء تتجاوز بل وأيضًا تسبق أى تفكير لاهوتى .
 فالأمر هنا هو مسألة تلاقى " كلمة الله " مع البشرية ، تلاقيه مع العالم ـ هو تلاقى شخصى بأعمق معنى . فاللوغوس عند يوحنا له معنى تأليفى تجميعى ، فهو ليس مجرد اسم بين أسماء أخرى ، بل هو اسم يسبق كل الأسماء ويحوى فى ذاته فى نفس الوقت سر البنوة وسر العبد المتألم . إنه اسم ذاك الذى يعلن نفسه على أنه النور والحياة وهى تعبيرات يوحنائية مجموعة معًا ـ كأنها باقة ورد ـ فى مقدمة الإنجيل .
" والكلمة " ليس هو لوغوس فقط ، بل هو أيضًا " ابن الآب الوحيد المملوء نعمة وحقًا " (يو14:1).
فقد صار الكلمة جسدًا ورأيناه إنسانًا ، ومن هنا يكون ابن الله الوحيد هو الكلمة الصائر إنسانًا ، هو "ابن الإنسان " بسبب الإنسانية التى ولد بها من العذراء مريم بدون أب بشرى . فيسوع هو ابن البشرية عامة وليس ابن رجل معين لأنه وُلد من العذراء بالروح القدس، كما نقول فى قانون الإيمان : " وتجسد وتأنس من الروح القدس ومن مريم العذراء " .
وبذلك فإن " يسوع ابن الله الحى " هو " ابن الإنسان " ، كما قال يسوع فى سؤاله للتلاميذ عن شخصيته من يكون هو ؟ " من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان " (مت13:16).
كما أن مفهوم " الكلمة " يسمح لنا أن نربط تعليم يوحنا عن المسيح بتعليم بولس عنه ، وذلك لأن وظيفة الكلمة نفسها هى أن تكون " الصورة"؛ فالكلمة هى العلاقة (الرمز) التى تتضمن الفكر وتعبّر عنه ، كما تعبّر عن الإدارة وعن السر الكامن فى صمت الآب ، الصمت الذى لا يُدنى منه . والآن (بمجىء الابن) فإن صمت الآب هذا (الذى لا يُدنى منه) ينفتح ويتكلم .
 إن سر الكلمة لا يجب أن نُقلّصه ليكون مجرد فهم مع الكلمة التى تعبر عن الفهم ، بل يجب أن نكتشف المعنى الكتابى الأصيل للفظة العبرية Dabar " دابار " . " دابار يهوة " = كلمة يهوة = كلمة الرب ، وهى ليست فقط إعلانًا للفكر الإلهى بل هى أيضًا إعلان عن مشيئة تصير حضورًا فعالاً ومحسوسًا ومصحوبة بكلمة نشيطة تفعل ما تقوله وتتمم مشيئة ذاك الذى يرسلها ثم تعود بعد ذلك إلى الله الذى أرسلها هذا ما يقوله إشعياء " هكذا تكون كلمتى التى تخرج من فمى لا ترجع إلىّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فى ما أرسلتها له " (إش10:55ـ11).
2 ـ المسيح وحده يملك معرفة الآب وهو الذى يعلنه لمن يريد :
" ليس أحد يعرف من هو الابن إلاّ الآب ولا أحد يعرف من هو الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له " (لو21:10ـ23).
وكذلك شهادة يوحنا الحبيب " الله لم يره أحد قط .. الابن الوحيد هو خبّر " (يو18:1).
" أيها الآب البار إن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك .. وعرفتهم أسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به وأكون أنا فيهم " (يو25:17ـ26).
3 ـ وحدة الابن مع الآب :
+ " ما يفعله الآب يفعله الابن كذلك " (يو19:5ـ20) .
+ " أنا والآب واحد " (يو3:10) ، " الآب فىّ وأنا فيه " (يو39:10) .
+ " أنا فى الآب والآب فىّ " + " من رآنى فقد رأى الآب " + " صدقونى أنى فى الآب والآب فىّ " (يو7:14ـ10).
4 ـ المسيح صورة الله غير المنظور :
" فيه خلق الكل .. الكل به وله قد خُلق " (كو16:1)
" وهو بهاء مجده وصورة جوهره (أقنومه) .. به عمل الآب العالمين وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته " (عب1:1ـ3).
+الابن هو الله " كرسيك يا الله إلى دهر الدهور (عب8:1).
+ يسوع هو ابن الله وهو رئيس الكهنة العظيم ـ الذى اجتاز السموات (عب14:4) . وهو " الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق" (عب6:5، عب20:6) + " يقدر أن يخلص إلى التمام " (عب25:7).
خامسًا : الإيمان بابن الله فى مجمع نيقيا والقديس أثناسيوس (هوموأوسيوس) :
فى مواجهة بدعة آريوس الذى نادى بأن ابن الله الكلمة مخلوق ، علّم القديس أثناسيوس أن الابن مولود من جوهر الآب ، وأكد مجمع نيقيا أن عبارة ابن الله تعنى أنه مولود من طبيعة الآب الإلهية، وأنه غير مخلوق . ووُضع فى قانون الإيمان عن المسيح عبارة " المولود من الآب قبل كل الدهور... إله من إله مولود غير مخلوق . مساوٍ للآب فى الجوهر (أو من ذات جوهر الآب) (هوموأوسيوس) Homoousios وهذه الكلمة تعبر عن الوحدة الحقيقية بين الابن والآب، كما توضح التمايز بينهما أيضًا.
وتمسك القديس أثناسيوس أن " ابن الله " تعنى أنه من " جوهر الآب نفسه" فبدون ذلك لا يكون خلاصنا حقيقيًا، فالخلاص عنده يعنى أن تتحد البشرية المخلوقة الميتة بالله الحى بواسطة المسيح، فلو لم يكن المسيح من جهة لاهوته مساويًا للآب فى الجوهر (أى من نفس جوهره) لما تحقق اتحادنا بالله ولما نلنا الحياة الإلهية : " لقد صار (الكلمة) إنسانًا لكى يؤلهنا فى نفسه ووُلد من امرأة لنصير نحن منذ ذلك الحين (منذ تجسده) جنسًا مقدسًا وشركاء الطبيعة الإلهية " (الرسالة إلى أدلفيوس فقرة4).
سادسًا : الإيمان بابن الله فى مجمع أفسس والقديس كيرلس الأسكندرى :
الإيمان بالمسيح ابن الله يعنى الإيمان بأنه إله حقيقى من طبيعة الآب ، وقد تجسد من العذراء بالروح القدس . فالحديث هنا هو عن كيفية التجسد أو التأنس باتحاد اللاهوت بالناسوت .
ابن الله هو شخص واحد ، أقنوم واحد طبيعة واحدة مُكوّن من اللاهوت والناسوت. وليس شخصان (شخص الكلمة وشخص الإنسان يسوع).
وهذا ما عبر عنه مجمع أفسس والقديس كيرلس بعبارة " العذراء والدة الإله " لأن الذى وُلد منها هو الإله الكلمة المتجسد .
يقول القديس كيرلس [ نؤكد اتحاد الكلمة الذى من الله الآب، بجسده المقدس ذى النفس العاقلة . وهو اتحاد يفوق الإدراك ويعلو على الفكر ، وقد حدث بدون اختلاط وبدون تغيير وبدون تحوّل ، فنحن نعترف بمسيح واحد الابن والرب.. ونحن نرى فى تأنسه أن طبيعتين قد اجتمعتا إحداهما مع الأخرى فى اتحاد لا يقبل الانفصام. وبدون تغيير وبدون اختلاط ، لأن جسده هو جسد وليس لاهوتًا ، رغم أن جسده قد صار جسد الله، وبالمثل فالكلمة أيضًا هو الله وليس جسدًا ، رغم أنه جعل الجسد خاصًا به بحسب التدبير ... وبعد الاتحاد لا نفصل الطبيعتين إحداهما عن الأخرى، ولا نجزئ الابن الواحد غير المنقسم إلى ابنين بل نقول بابن واحد ، وكما قال الآباء : طبيعة واحدة متجسدة لكلمة الله ]
(رسالة 45 فى الجزء الثالث من رسائل القديس كيرلس ـ مركز دراسات الآباء 1995).


د. نصحى عبد الشهيد
patristiccenter.org

________________________________________
[1] Adv. Haerses V, 36, 2.
[2] عن كتاب : The Mystery of the Trinity by Boris Bobrinskoy .